جزء من رواية ساعي بريد نيرودا لأنطونيو سكارميتا

(( ألم وسخط لإغتيال الرئيس أليندي. الحكومة والشعب يعرضان اللجوء على بابلو نيرودا، السويد. ))

-غيرها- قال الشاعر ذلك وهو يشعر بأن ظلالا تصعد إلى عينيه، وأنها مثل شلالات أو خبب شبحي تبحث عن شرخ في الزجاج لتخرج وتنضم إلى بعض الأجساد الغائمة الآخذة بالنهوض بين الرمال.

-((المكسيك تضع تحت تصرف الشاعر نيرودا وأسرته طائرة لتنقله على جناح السرعة إلى هنا)) - رتل ماريو ذلك وهو موقن بأن ما يقوله لم يعد مسموعا.

كانت يد نيرودا ترتعش على مقبض النافذة، ربما كان يريد فتحها، ولكنه بدا في الوقت نفسه كما لو أنه يجس بأصابعه المتشنجة المادة الكثيفة نفسها التي تسري في أوردته وتملأ فمه باللعاب. ووسط الأمواج المعدنية التي تكسر انعكاس طائرات الهيليكبتر وتوسع امتداد الأسماك الفضية في عجاج لامع، خيل إليه أنه يرى بيتا مطريا يشيد بالماء، أخشابا رطبة كلها جلد ولكنها حميمة في الوقت نفسه.
وكان هناك سرٌ خفي يتكشفُ له الآن ي لهاث دمه المرتجف، هذا المساء الأسود الذي كان انتاشا، الذي كان الدقة الحرَفية القاتمة للجذور، صياغته السرية في الليالي الثمرية، القناعة النهائية بالصُهارة الذائبة الذي ينتمي إليها كل شيء، ذلك الشيء الذي تبحث الكلمات كلها عنه، تترصدهُ، تدور حوله دون أن تُسميه، أو تسميه صامتة (الشيء الحقيقي الوحيد هو أننا نتنفسُ ونتوقف عن التنفس، هذا ما قاله الشاعر الجنوبي الفتي وهو يودع بيده التي كان قد أشار بها إلى سلة نفاح تحت المنضدة المأتمية): بيته قبالة البحر والبيت المائي الذي يرتفع الان وراء هذا الزجاج الذي هو ماء أيضا، عيناه أيا اللتان هنا بيت للأشياء، شفتاه اللتان كانتا بيت للكلمات واستسلمتا الأن للتمضخ بهذا الماء نفسه الذي شقق في يوم بعيد نعش أبيه مجتازا القيعان، والحواجز، والموتى الأخرينن كي يشعل حياة الشاعر وموته في سر أخذ يتكشف الأن، بتلك المصادفة التي للجمال والعدم، تحت صُهارة موتى معصوبي العيون ونازفي المعاصم، ويضع على شفتيه قصيدة لا يعرفٌ هو أنه قالها، وكن ماريو سمعها حين فتح الشاعر النافذة وانتهكت الريح العتمة:

(( أرجع إلى البحر مدثَرا بالسماء،
الصمت بين موجة وأخرى 
يفرض حيرة حرجة:
تموت الحياة، تستكين الدماء
إلى أن تنشق الحركة الجديدة
ويدوي صوت الأبدية.))

إحتضنه ماريو من الخلف، وبينما هو يرفع يديه ليغطي عينيه الهاذيتين، قال له :
-لا تمت أيها الشاعر.

حملت سيارة الإسعاف بابلو نيرودا نحو سنتياغو، وفي الطريق كان عليها أن تجتاز حواجز شرطية ومراكز تفتيش عسكرية.
وفي يوم 23 أيلول 1973، مات في مستشفى سانتا ماريا.